محمد بيومي مهران

78

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ « 1 » ، قال البيضاوي استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم من فرط أمانتهم ، كرد البضاعة التي جعلت في رحالهم ، وككمّ أفواه الدواب لئلا تتناول زرعا أو طعاما لأحد « 2 » ، وهنا سألوهم : فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ، قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ ، كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ « 3 » . وهنا ينكشف طرف التدبير الذي ألهمه اللّه يوسف ، وطبقا الرواية ابن كثير ، فقد كانت شريعة إبراهيم عليه السلام أن السارق يدفع إلى المسروق منه ، أو كما يقول صاحب الظلال : فقد كان المتبع في دين يعقوب أن يؤخذ السارق رهينة أو أسيرا أو رقيقا في مقابل ما يسرق ، وتقول التوراة : الذي يوجد معه من عبيدك يموت ، ونحن أيضا نكون عبيدا لسيدي ، فقال نعم الآن بحسب كلامكم هذا يكون الذي يوجد معه يكون لي عبدا ، وأما أنتم فتكونون أبرياء » ، ولما كان إخوة يوسف موقنين بالبراءة فقد ارتضوا تحكيم شريعتهم فيمن يظهر أنه سارق ، ذلك ليتم تدبير اللّه ليوسف وأخيه ، ذلك لأنه لو حكم فيهم بشريعة ملك مصر ما تمكن من أخذ أخيه ، إنما كان يعاقب السارق على سرقته ، دون أن يستولي على أخيه ، كما استولى عليه بتحكيم إخوته لدينهم هم ، وهذا هو تدبير اللّه الذي ألهم يوسف أسبابه ، وهو كيد اللّه له ، والكيد يطلق على التدبير في الخفاء للخير أو للشر سواء وإن كان الشر قد غلب عليه « 4 » . وبدأ التفتيش ، وأرشدت الصديق حصافته إلى أن يبدأ برحالهم قبل

--> ( 1 ) سورة يوسف : آية 70 - 73 . ( 2 ) تفسير البيضاوي 2 / 267 . ( 3 ) سورة يوسف : آية 74 - 75 . ( 4 ) تفسير الظلال 4 / 2019 - 2020 ، مختصر تفسير ابن كثير 2 / 257 ، تفسير النسفي 2 / 232 تكوين 44 / 9 - 10 .